في مجتمعات أبويّة وتحت مظلّة الأنظمة القمعية لا يمكن للحياة السياسية أن تزهر عموماً، ولا أن تحقّق النساء مكانتهن الاجتماعية أو أن تجدن مكاناً في الحياة العامة، حيث تنظر تلك المجتمعات للنساء كتابع للرجل وليس كمواطنات، ينصّب فيها كل الذكور أنفسهم أوصياء على النساء، ويحقّ لهم بموجب هذا الحق الممنوح “منهم إليهم”، تحديد واقع ومستقبل هؤلاء النسوة وطريقة حياتهنّ، ثم يقوم جزء من هؤلاء بأدوار مختلفة ضمنتها لهم منظومة الاستبداد عبر سنّ القوانين، وهم في أماكن صنع القرار من أجل تكريس حالة الاستبداد واللا مواطنة، وضمن حالة لا تتحقق فيها المساواة ولا حقوق الإنسان ولا تكافؤ الفرص بين النساء والرجال، فتتعرّض ثقة النساء بأنفسهن للاهتزاز، وتتضاءل كنتيجة لهذا، وكنتيجة للتأطير المفروض على شريحة كبيرة منهن، فرصة تنمية القدرات والتحصيل العلمي، وبالتالي تحقيق الذات في الشأن العام. النساء السوريات

تحدّيات النضال النسوي:

تناضل النساء السوريات المؤمنات بالحقوق لتحقيقها، أولاً، كمواطنات، وكجزء من حركة النضال الشعبي لتحقيق الوصول إلى وطن ديموقراطي تتحقق فيه مواطنتهن الكاملة وينال الجميع فيه حرّيته وكرامته، وثانياً، كنساء يردن تحصيل كل الحقوق المنصوص عليها بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وكل الاتفاقيّات والمعاهدات ذات الصلة بحقوق النساء، والتي تكفل كرامتهن كبشر وكمواطنات، وهن يعلمن أنّ هذا لا يمكن تحقيقه بأيّ شكل من الأشكال، إن لم يتمّ تحقيق المواطنة الكاملة للجميع والمرتبطة بالحرية، ومساواة الجميع أمام القانون، وهذا أيضاً لا يمكن تحقيقه دون تفعيل دور النساء في العمل العام، وفي السياسة وأماكن صنع القرار، وفي صنع مستقبل بلادهن، ورسم طريق تحقيق السلام وسنّ القوانين، وتفعيل آليات العدالة الانتقالية، والمشاركة على مستوى الحكومات والبرلمانات والأحزاب والمجالس المحليّة والإدارات بكل اختصاصاتها ومجالاتها، هنّ يعلمن أيضاً أنّ مهمة هذا النضال صعبة للغاية، فالمواجهة ليست فقط  سياسيّة، بل هي أيضاً مجتمعية، حقوقية، ثقافية، واقتصادية، ضمن حالة في كثير من الأحيان ترفض التغيير الإيجابي، كرّستها الأنظمة والأدوات والقوى الاستبداديّة القمعية بكل أشكالها، سياسيّة أو إيدولوجيّة أو عسكرية، بشكل مضاعف على النساء اللواتي يواجهن الجميع في نفس الوقت.

طبعاً، ما كان لهذا الاستبداد أن يستشري لولا تكريسه أصلاً لأدوات قانونيّة، تدعم هذا التمييز وتعمّق جذوره بالمجتمع، وهي تستند بدورها على جزء من الموروث الثقافي المتخلّف ومصالح بعض المؤسسات الدينية والأنظمة السياسية، ويتمّ تنفيذها من خلال سلسلة من القوانين التميزية بمختلف أنواعها وعبر عدم وجود قوانين تحمي النساء من العنف الأسري، ولا منظومات اجتماعية كافية للتعامل مع الضحايا إلا بمبادرات فرديّة، ومن خلال بعض مؤسسات المجتمع المدني اليافع، ولكن ليس على مستوى استراتيجيات وطنية عموماً. إذاً، النساء السوريات تواجهن العنف والتمييز في المنزل والمجتمع وأمام القانون وفي الهياكل السياسية والأحزاب ويتم محاولة دفعهن للوراء حين تحاولن المشاركة في الحياة العامة أو الوصول الى دور فاعل وقيادي.

خرج السوريون الى الشوارع، في آذار من عام 2011، وسمع الجميع أصواتهم للمرة الأولى، وتعلمنا معاً كيف يمكن لنا الصراخ من أجل الحريّة، كانت فرصة التعلم تلك فرصة متساوية للجميع نساء ورجال، كان يمكن لهذه التجربة أن تنتج تغيراً سياسياً ومجتمعياً إيجابياً أيضاً، “تونس نموذجاً”. النساء السوريات

شاركت النساء السوريات في تلك المرحلة بكثافة، ومشاركتها لم تقتصر فقط بالمظاهرات كمتظاهرة، بل كانت قائدة للمظاهرات ومؤسسة لتنظيمات ثورية ومنظمات حقوقية، والكاتبة والسياسية والإعلامية والطبيبة والإغاثيّة والفنانة، وأيضاً المعتقلة والشهيدة، واجه النظام الأصوات النسائيّة عبر عدّة أدوات قذرة، كانت منها الاعتقال والتعذيب والملاحقة والتهديد بالأولاد والقتل، وأيضاً، التصفية المعنوية عبر الجيش الإلكتروني من خلال الإشاعات والتشويه، أو المحاربة الاقتصادية من خلال الطرد من العمل أو المقاطعة، وهذا كان يخيف كثيراً من النساء ويجعلهنّ يترددن في اقتحام الشأن العام، والمجاهرة برأيهنّ أو الوصول الى دور ريادي سياسي في المرحلة.

لكن وعلى الرغم من هذا، كان يمكن تلمّس ملامح مبشرة في الحراك الثوري السلمي “البدايات”، وتجلّى هذا بأنّ الجانب المطالب بالحريّة كان قادراً على تقديم صورة حضارية، داعماً للمشاركة النسائية القيادية في كثير من الأحوال (مثلاً تجربة لجان التنسيق المحليّة نموذجاً)، وهو ما تغيّر بشكل كارثي بعد عسكرة الثورة وأسلمتها، فعلى الأرض كلما ارتفع صوت السلاح انخفض صوت النساء، وباتت النساء على الأرض يحملن مسؤوليّة الحفاظ على الأسرة والأطفال والحماية وتأمين القوت في ظلّ سحق كثير من الرجال في رحى الحرب، التي تسببت بدورها بزيادة ارتفاع وتيرة العنف الاجتماعي، واستغلال النساء واستخدامهن كوسيلة حرب من خلال قيام النظام أو المجموعات المتطرّفة أو المسلّحة بكل انتماءاتها بانتهاكات كبيرة تضمّنت الاغتصاب والاعتقال والاستهداف والخطف والتصفية، والتي طالت عدداً من الشخصيات والناشطات والقياديّات في الحراك السلمي. النساء السوريات

جزء من الإعلام المعارض بكل أنواعه بدأ بالتغيّر أيضاً، ولحق بالتغيير الحاصل على الأرض، وبات عنيفاً تميزيّاً يهاجم النساء العاملات في الشأن العام ويحضّ على الكراهية عموماً، وينشر الإشاعات بدوره كتابع لقوى إيدولوجيّة، لم يكن يناسبها مشاركة النساء وتصدّرها المشهد المعارض، إذ استطاعت الخروج من كل تلك المصائد وتمكّنت من المشاركة في تلك القوى السياسية أو برزت كناشطة، وفي الحياة العامة وهي تحمل شخصيتها الريادية والقويّة والتي لا تتبع لأحد وترى أنّ دخولها إلى ساحة العمل العام أو تلك الكيانات والقوى، من أجل تحقيق دورها النضالي والوطني، كان يتم تحطيمها فيه بشكل ممنهج، حيث يمارس عليها العنف والتمييز المتمثّل، بالإقصاء والتهميش الممنهج والاستهداف المعنوي الذي يتضمّن أحياناً حتّى التهديد، وإطلاق الإشاعات، وخاصة من منطلق كونها امرأة، فالتشكيك بأخلاقها ونزاهتها وسلوكياتها، وبقدراتها السياسية وكفاءتها، هو الوسيلة المتّبعة للتحطيم، وأنا لا أتحدّث عن النقد السياسي أو الموضوعي، بل أتحدّث عن اختلاق الأكاذيب، والمبالغات، والتشويه والاستهداف الممنهج والمؤذي، والذي يراد منه إبعاد هؤلاء النساء عن المشهد السياسي أو العام عموماً. النساء السوريات

ولا يمارس هذا فقط أصحاب الإيدولوجيا والثقافة الرافضة لمشاركة النساء بأدوار ريادية من منطلق عقائدي، بل أيضاً بعض الشخصيات التي تحمل راية العلمانيّة، فهي إما تنظّر بسخرية لمشاركة النساء، وإما ترى بهنّ منافسات بدور كان يجب أن يقوم به الرجل وفقاً لعقليّة بعض الذكور في الوسط السياسي، وهو يعيدنا الى الثقافة الذكورية المترسّخة في مجتمعنا، بالإضافة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، خاصة حين تكون تلك النساء أمهات أيضاً وحين ترى عوائلهن هذا الأذى النفسي التي تتعرضن إليه، وهو ما يدفع أخيراً بالكثيرات الى الابتعاد عن العمل السياسي.

أخيراً، كمفارقة بسيطة لنظرة المجتمع للنساء، المرأة في السياسة حين تتحدّث بشغف عن وطنها وألم شعبها وربما تبكي، يقال عنها عاطفيّة ولا تصلح للسياسة، أما الرجل إذا تأثّر فبكى، مثلاً، على الإعلام، يصبح مضرب مثل بالوطنيّة والعاطفة والإنسانيّة. النساء السوريات

ليفانت – ريما فليحان ليفانت