أغسطس 28, 2020
ريما فليحان
وكأنّ النساء قررن دون مسبق اتّفاق أنّ الوقت قد حان لإطلاق أصواتهنّ الرافضة لما تتعرضن له من انتهاكات، تتجسد في العنف والتمييز الذي يمارسه المجتمع الشرقي ضدّ النساء، بحماية القانون وسلطات الأمر الواقع، في كل مكان من شرقنا هذا. ثورة النساء
صرخاتهنّ المحقّة بوجه المتحرشين والمعنفين باتت معلنة وجريئة على مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنّها هدير ثورة تنذر بالوقوع ونفض هذا العفن التاريخي عن جسد المجتمع المريض بالذكورية، والظلم ضدّ النساء والشرائح الأضعف بالمجتمع وكل من يخالفون نهج القبيلة، سواء كانت تلك القبيلة عائلة أو طائفة أو مجتمع ضيق أو حي أو منطقة.
ومع ارتفاع أصواتنا المطالبة بالحقوق والكاشفة للانتهاكات، ترتفع في المقابل أصوات الكثيرين للسخرية من تلك المطالبات ومن كل الحركة النسوية برمتها، بحيث توصف وكأنّها مجموعة من المجانين “كارهي الرجال”، بدلاً من أن يتوقفوا عند ألم الضحايا وينظروا عميقاً إلى حجم ذلك الأذى الذي تسبب به كل من يحمل الفكر الذكوري الوصائي” نساء ورجال” في بيئة اجتماعية، يولد فيها الذكر متمتعاً بالرفاهية كونه رجلاً، ضمن مجتمع يدعمه ويدعم رغباته وتحكمه بكل النساء حوله، أم، وأخت، وحبيبة، وزوجة، وابنة، حتى بنت العم وبنت الجيران.
حيث يحقّ له كرجل في مجتمعاتنا المريضة أن يفعل كل شيء، بما فيه التحكم بهن وبظروف حياتهن، من أصغر الأشياء لأكبرها، من تعليم وعمل وزواج وخروج من المنزل، بل حتى اختيار الأصدقاء وماذا ترتدي إلخ، هم فعلياً يتحكمون بشكل كامل بروحهنّ وجسدهنّ ضمن تلك المنظومة الاجتماعية والقانونية، حيث يحق له كرجل أيضاً الوصاية عليهن، ومن اليسير عليه أيضاً تعنيفهنّ والتحرش بهنّ، حتّى في عرض الشارع، وفي الغرف المغلقة، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، كما أنّه يستطيع اغتصابهن واتهامهن بالعهر بعد ذلك، ليمضي بحياته بشكل طبيعي بعد ذلك، كيف لا “فالرجال عيبه على صباطه”، يحقّ له حين يكون زوجاً أخذ ما يشاء من زوجته ساعة يشاء، سواء رغبت أم لم ترغب، ويحقّ له قتلهن “بنات أو زوجات أو شقيقات”، بذريعة الشرف، حين يشك بخروجهنّ عن المسار المحدد لهنّ من رجال القبيلة، وعلى الجانب المقابل، تناضل المرأة طوال العمر لكي تحقق ذاتها، تتعلم، تعمل، تختار شريكها أو تختار الانفصال عنه، تناضل لتتحكم بجسدها وبروحها دون أن تغتالها القبيلة، وحين يفيض بها الكيل وتقرر أن تصرخ تقابل بالسخرية والتحقير والأذى وبالفجور، كان من الأحرى بكم أن تراجعوا سيرتكم وتقفوا مع ذاتكم وتخلعوا عباءة التاريخ العفن وتتعمقوا في قيمتكم كبشر، إن لم تحملوا داخلكم حسّ العدالة والإنسانيّة في تعاملكم ونظرتكم إلى الآخرين وخاصة النساء. ثورة النساء
أما أسوأ أنواع الساخرين والمنتهكين للنساء، شريحتان، إحداها النساء ممن تحملن الفكر الذكوري وتستسيغ من خلاله إذلال الأخريات باختلاف مواقعهن، والرجال المحسوبون على الشريحة الواعية بالمجتمع، أي من يعتبرون من النخب الثقافية والذين يتحرشون بالنساء ويعنفونهنّ أو يدافعون عن المتحرشين والمعنفين، لأنّهم وعن سبق الإصرار يمارسون بدم بارد إغراق المجتمع بغية وظلامية بدلاً من أن يكونوا منابراً للوعي ونموذجاً يقتدى به.
في هذا السياق، يجب التنويه أيضاً أن ليس المقصود مما ورد شيطنة الرجل وإلباس المرأة ثوب الملائكة على الاطلاق، بل المقصود هو انتقاد منظومة اجتماعية ذكورية تستسيغ ظلم النساء والمختلفين عن السياق الاجتماعي المحدّد سلفاً، عبر تكريس إرث تاريخي مريض ينظر للنساء بدونيّة ويضعهن في مرتبة أقل من الرجل على الدوام، ولتلك المنظومة حوامل تاريخية وثقافية ودينية وسياسية وقانونية تبرّر العنف والقمع للحفاظ على القوة والسيطرة، والحق يقال هناك، رجال يحملون “قلباً وقالباً” فكراً حراً مؤمناً بحقوق الإنسان عموماً، والنساء خصوصاً، وبعضهم جزء من الحركة النسوية أيضاً، وعلى الطرف المقابل، هناك نساء تحملن هذا الفكر القمعي وتنتهكن بذاتها حقوق الآخرين والأخريات بالسلوك والفعل أيضاً، إذ لا تعميم، والمقصود نقد الفكر الذكوري بحوامله وممثليه في مجتمعاتنا.
كلّي أمل أنّها إرهاصات ثورة نسوية في مجتمعنا قد تؤدّي بفعل تراكمي متواتر الى إحداث التغيير المنشود، كما حدث في كل العالم بتاريخ النضال النسوي، والمهم تكرار فضح ظواهر التحرّش والاعتداء على حقوق النساء، وإبداء الدعم للضحايا والوقوف في وجه تلك الظواهر، وهو ما سيؤدي مع الزمن الى إحداث تغيير بالوعي الجمعي الذي اعتاد على تقبل تلك الظواهر، وإلى إحداث حالة من التوجّس لدى المنتهكين من ردود الفعل.. إذاً “مارح أسكت”!. ثورة النساء
ليفانت – ريما فليحان ليفانت