السور النسوي بديلاً عن الترقيع!

 بدايات القرن الماضي كانت الجدات في قرى منطقة عفرين يغسلن الملابس و قطع الصوف والسجاد و يتحممن على ضفاف نهرها الشهير، هكذا بعفوية ودونما تكلف. حيث كان النهر يعتبر شريان الحياة  بالنسبة  لمئات القرى التي تفتقر إلى البنية التحتية. كانت  جدتي تروي كيف أنهن ورغم تعاملهن اليومي مع نهرها المتدفق لم يكنَّ يُجِدن العوم. ويتعاملن معه بخوف وحذر شديد ، وتسرد في واحدة من قصصها مع النهر كيف شاهدن ذات مرة طفلة صغيرة جرفها النهر وأخذت تغرق  أمام أعينهن في الدوامة العميقة. وقفن عاجزات للحظات، وخفن من المجازفة والغوص في المياه! على عجل اقترحت  إحداهن أن تمسكن بتلابيب فساتين و أيدي بعضهن في صف طويل لإنقاذ الطفلة، و أقسمن ألا يتركن  بعضهن، و نجحن في إنقاذها. بعد سنوات عرفت أن تلك التي تم إنقاذها كانت عمتي هداية،  و لولا شجاعة تلك النساء الريفيات آنذاك لكانت وليمة غضة لأسماك النهر.

دفعتني هذه القصة الحقيقية للقيام بمقاربة  مع واقع المرأة السورية ضمن المعترك السياسي الراهن. في القصة  نكتشف أن النسوة  في حقيقة الأمر لم يألن جهداً في تعلم السباحة، لكن واقع الحياة اليومية آنذاك وضغط القيود الاجتماعية كان يحول دون ذلك. أما في حالة السياسيات السوريات حالياً أنهن وعلى الدوام يتعرضن للتشكيك بقدراتهن، هذا التشكيك أدى بالبعض منهن إلى اعتقاد سائد على كونهم بحاجة دائمة إلى التمكين السياسي و بناء القدرات. مع عدم إغفال أهمية بناء القدرات والتمارين الفكرية والسياسية، لكن في حالة السياسيات السوريات تكاد تغدو بمثابة حكم  مؤبد من وجهة نظر البعض التي تتلخص على  أنه لا توجد نساء كفؤات بإمكانهن شغل المهام السياسية. و من هنا يأتي مصدر التهميش والإقصاء لأدوارهن.

واليوم بعد مضي عقد بأكمله على الثورة السورية، والتي تحولت إلى صراع دموي و كارثيٍّ. تصدر فيه الرجال المشهد السياسي المعارض. في احتكار صارخ وواضح، تخللته مشاركة خجولة للمرأة.  تراوحت بين الرمزية و الأدوار الهامشية. مما خلق حالة شغف لدى البعض من الناشطات السياسيات يكاد ينحصر بالبحث عن موطئ قدم راسخة قريبة من دوائر القرار السياسي.

والسؤال الذي يطرح نفسه . هل سبب هذه المشاركة الهامشية و الرمزية يعود فقط و بكليته للعطالة الذكورية؟! أم هناك أسباب أخرى خفية وراءه!

 حقيقة  تدرك المشتغلات في المضمار النسوي جيداً أن هناك إحجام من قبل النساء للإقدام على المشاركة السياسية لأسباب عدة.  بعضها معروف و مطروق. من قبيل كون السياسة تستدعي العقاب الشديد لدى السلطات المستبدة، أو أنها مجلبة للسمعة السيئة التي تعلق بأصحابها. سيما بعد انتشار فضائح الفساد و المال السياسي، والتي قد تجرف بأصحابها إلى محرقة الفضائح التي لا ترحم حتى من كان  مناضلاً/ة،  ومدافعاً/ة عن القضايا العادلة.

تلك النظرة النمطية للسياسة على أنها سلسلة لا منتهية من المؤامرات والمكائد.   تكاد تفقد الفئات التي تسعى إلى التغيير الديمقراطي، و في مقدمتها النساء. الإقدام على ممارسة الفعل السياسي، ليصبحن فريسة للتردد والخوف، على الرغم من أن السياسة تكمن في كل التفاصيل و الجوانب المتعلقة بالصحة و التعليم و الأمن …الخ و كل تفاصيل حياتنا التي تشغل النساء في هذه القطاعات أدواراً محورية.

فما هي السبل التي من شأنها تثقيل  دور المرأة في المشاركة السياسية وإعادة التوازن لإدارة الحياة البشرية. و ما الذي يكفل ويضمن الحماية و الاستمرارية لهن وعدم التبخيس من أدائهن و كفاءتهن!؟ سيما و أن دخول المرأة معترك السياسة في الراهن السوري تحديداً لم يعد ترفاً بأي حال من الأحوال! و كارثية الوضع السياسي السوري يستدعي تحركاً واسعاً للسوريات لتحقيق تغيير حقيقي وعميق و ذو مغزى، بعيداً عن شهوة البعض للسلطة العارية التي ترى الديمقراطية مجرد مسرب باتجاه واحد صعوداً نحو سدة الكرسي، وتسلم مقاليد الحكم.

وبالعودة إلى القصة. فقد تفوقت الجدات  على جبروت النهر وحطمن عجزهن من خلال تشكيل سور لإنقاذ الطفلة و نجحن في ذلك، لكن السياسيات السوريات ما زلن يتخبطن للوصول إلى رؤية مشتركة إنقاذية، تفند مزاعم نقص قدراتهن، عبر بناء سور نسوي منيع يدعم و يساند المشاركة النسوية في الحياة السياسية، يشبه في فحواه مجازفة النساء في سبر أغوار النهر طالما الأمر يتعلق بقضية حياة أو موت. ذلك من خلال صناعة آليات القوة الجماعية الأفقية العميقة، تلك التي تمتد من الأطراف إلى المركز، و التي تضمن بقاء قنوات التواصل فعالة و مستدامة بين من هن في مراكز القرار و بين من هن في الصفوف الخلفية من الحائط النسوي. إنها بسيطة للغاية ، تتمثل بتشابك الأيدي و إبداع فكرة النجاة.

 لذا نحن مطالبات اليوم بتشكيل سورنا النسوي السياسي المتين، الذي يقدم الدعم والمساندة والحماية للسوريات، ويعمل على صناعة سياسة أخلاقية تقود بلدنا نحو العدالة والحرية والكرامة. عوضاً عن الإغراق في ترقيع صور التشكيلات السياسية و تجميل المشهد السياسي وإنقاذ  الهياكل المتداعية والآيلة للسقوط.